الثلاثاء، 15 مارس، 2011

شياطين في هيئة شيوخ السلاطين!

شياطين في هيئة شيوخ السلاطين!

الثورات الشعبية الديمقراطية العربية يرى فيها 'فضيلة' الشيخ، أو مقاول الحاكم من الباطن، 'سفكاً للدماء، وانتهاكاً للأعراض'.


ميدل ايست أونلاين First Published: 2011-03-14
بقلم: جواد البشيتي
لم أرَ توظيفاً للدين في خدمة المآرب السياسية للحاكم أسوأ من هذا الذي يُرينا إيَّاه الحاكم العربي عندما تُحْدِق به مخاطر ثورة المحكوم، أو الشعب، عليه؛ فهذا الحاكم، الذي نُكِبْنا به، والذي يحكمنا، ويستمر في حكمنا، بكل ما يَفْرِضه عليه اغتصابه السلطة اغتصاباً من وسائل وأساليب، يَرْفُض الزَّج بالدين في السياسة، ويَرْفُض على وجه الخصوص وجود أحزاب سياسية تتَّخِذ من الدين أساساً لها، أو تتلفَّع به؛ لكنَّه يغدو في رُبْع الساعة الأخير من عُمْرِه السياسي، أي قبيل سقوطه، "وليَّ الأمر" الذي ينبغي لـ "الرعية" طاعته، وكأنَّ طاعته من طاعة الله؛ فَمَن يشقُّ عصا الطاعة عليه إنَّما يعصي الخالق، ويتمرَّد عليه؛ ويستطيع شيوخ السلاطين الإتيان بألف دليل شرعي على أنَّ وليِّ الأمر هذا لم يأتِ بما يجعل طاعته طاعةً في معصية الله.

القذافي (أو السلطان معمر القذافي) كان له شيخه وهو يسفح دم الشعب الليبي الذي شقَّ عصا الطاعة عليه، فلم يتورَّع هذا الشيخ عن تكفير كل ليبي يعصي وليَّ الأمر المعتصم بجحره في باب العزيزية.

ولمَّا سُئِل أحد شيوخ السلاطين عن حكم خروج المسيرات (الشعبية) وما يسمَّى بالمظاهرات للمطالبة بالحقوق أجاب قائلاً: إنَّ المظاهرات نوع من الخروج عن طاعة وليِّ الأمر الذي أمرنا الله بطاعته في غير معصية؛ وهي (أي المظاهرات) طريقة من طرائق الكفَّار في الحصول على الحقوق "وقد نهينا عن التشبُّه بهم".

وقال أيضاً: "ومن تلك الدعوات الجاهلية ظهر ما يُسمَّى بالمظاهرات، وأوَّل من أسس هذه المظاهرات هم الكفرة، الذين لا يحكمهم نقل ولا عقل، ثم انتقلت هذه الفتنة إلى بعض بلاد المسلمين على أيدي تلامذة الغرب.. إنَّ المتظاهرين يعيثون في الأرض فساداً، فيقتلون وينهبون ويحرقون ويتعدون على الأنفس والممتلكات حتى قال أحد اللصوص إنَّه ليفرح إذا حصلت مظاهرات لكثرة ما يسرقه وينهبه من خلال مسيره معهم".

وتمادى في التحصين الديني للحاكم إذ شبَّه طاعته بطاعة رسول الله، مُذكِّراً بقول عبادة بن الصامت "بايعنا رسول الله على السمع والطاعة، في المعسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله".

أمَّا الثورات الشعبية الديمقراطية العربية فرأى فيها "فضيلة" الشيخ "سفكاً للدماء، وانتهاكاً للأعراض".

في بعض البلاد العربية، والتي يمكن وصف نظام الحكم فيها بأنَّه "أُوتوقراطي ثيوقراطي"، نرى مغتصبي السلطة (من أصحابها الشرعيين، أي مِمَّن يحق لهم حيازتها، وهُمْ الشعب) يُلفِّعون هذا الاغتصاب بالدين، أو بـ "شرع الله"، ويُنْكِرون، من ثمَّ، أو في الوقت نفسه، "الوجود السياسي" للشعب، فالشعب الذي يحكمونه بـ "شرع الله"، على ما يزعمون، ليس بـ "مصْدَر للسلطات جميعاً"، ولا بـ "مَصْدَر الشرعية (السياسية)" في ممارستهم الحكم.

ويكفي أنْ يَزْعُم كل حاكم مغتصِب للسلطة أنَّه يحكم بـ "شرع الله (كما يفهمه ويفسِّره ويؤوِّله هو)" حتى تصبح طاعة الشعب له واجبة شرعاً، لا يَخْرُج عنها إلاَّ كل عاصٍ لله، متمرِّد على أمره.

أمَّا البلاد العربية التي يتَّسِم نظام الحكم فيها بـ "الأوتوقراطية الخالية من الثيوقراطية" فلا تُنْكِر "الوجود السياسي" للشعب؛ لكنَّها تفهم "الشعب" على أنَّه "شريك ثانوي" للحاكم في الحكم؛ وتفهم "الإصلاح السياسي والديمقراطي" لنظام الحكم فيها على أنَّه دعوة (من الحاكم) إلى "توسيع (وزيادة) مشاركة الشعب" في "القرار"، أو في "الحكم".

إنَّهم ينظرون إلى "الدولة" على أنَّها شيء يشبه "شركة تجارية"، تعود ملكية رأسمالها إلى قلة قليلة من المواطنين، وإلى "الحاكم" في المقام الأوَّل، ويعمل فيها مئات الآلاف، والملايين، من العمَّال، أي "الشعب"؛ وإذا كان لا بدَّ من تحقيق شيء من "الإصلاح السياسي والديمقراطي" فإنَّهم يتصوَّرن هذا "الإصلاح" على أنَّه عمل يشبه السماح لهؤلاء العمَّال، أو الشعب، بامتلاك "أسهم"، على أنْ تظل نسبة ما يملكون من "رأسمال الشركة" أقل مما يَسْمَح لهم بحيازة سلطة إدارتها.

كيف أصبحوا مُلاَّكاً لهذه "الشركة (التي هي كناية عن الوطن والدولة والحكم)"، ومن ذا الذي ملَّكهم إيَّاها، قبل أنْ يَبْرزوا في ثياب المصلحين الديمقراطيين، ويتكرَّموا على الشعب بزيادة حصَّته من ملكية هذه الشركة؛ لكن بما لا يتعارض مع "حقِّهم" في الاحتفاظ بحصَّة الأسد من "رأسمالها"؟!

إنَّها "شركة" للشعب وحده حق امتلاكها كاملةً، فاغتصبوها (منه) اغتصاباً تعدَّدت وسائله وأساليبه؛ ثمَّ تخلَّقوا بشيء من أخلاق "المُصْلِح السياسي والديمقراطي"، وشرعوا يتحدَّثون، في "خطابهم الديمقراطي الجديد"، عن حقِّ الشعب في "زيادة مشاركته في تقرير أمْره ومصيره"!

أمَّا وسائلهم وأساليبهم في "إقناع" الشعب (أو الرعية، أو المحكوم) بأنَّه ليس بـ "مَصْدَر الشرعية (السياسية) في الحكم"، وبأنَّهم هُمْ "مَصْدَر الشرعية في امتلاكه حصَّة من هذا الحكم"، فهي القمع والإرهاب والسجون و"الكتائب الأمنية" وقطع الأرزاق والأعناق والفساد والإفساد والارتشاء وشراء الضمائر وإضعاف النفوس وبث الفرقة وإثارة النعرات وتأجيج العصبيات..؛ فإذا نشب الصراع، واحتدم، قاوَم الحاكم بطرائق وأساليب يحاوِل من خلالها أنْ "يُقْنِع" الشعب الثائر عليه بأنَّ سقوطه يُوْقِع الشعب حتماً في فوضى عارمة، وفي "صَوْمَلة أبدية".

ولقد أثبت الحاكم الأوتوقراطي في بلادنا العربية أنَّه يملك من قوى النفي للديمقراطية ما يمكِّنه من أنْ يَحْشِد مئات الآلاف (والملايين) من المواطنين في الميادين (من عاصمة ومدن البلاد) لإظهار وتأكيد ولاء الشعب له؛ فإنَّ المعارضين له هُمْ دائماً فئة ضئيلة ضالة مُغرَّر بها.

على أنَّ كل هذا الحب الشعبي الذي يتمتَّع به الحاكم لا يُزيِّن له أبداً تسيير المجتمع في طريق الديمقراطية الحقيقية؛ فما يراه من حشد شعبي هائل في الميادين تأييداً له لن يُتَرْجَم بمثيل له في صناديق الاقتراع الشفَّافة.

إنَّ بضعة آلاف من المواطنين يتظاهرون ضدَّ الحاكم المستبد الطاغية لأصْدَق دليلاً على وزنه الشعبي من مئات الآلاف (والملايين) من المواطنين الذين يسوقهم إلى الميادين سَوْق القطيع إلى المراعي.

أمَّا إذا أعْجَزَه تنامي ثورة الشعب عليه عن إخراج مئات الآلاف (والملايين) من "أبناء الدولة"، أي من العاملين في أجهزة ومؤسسات حكمه، إلى الميادين ليهتفوا بحياته، واضطَّره إلى خَلْع ما لبسه من لبوس الديمقراطية، فلن يتردَّد، عندئذٍ، في أنْ يقاوِم سقوطه المحتوم بوسائل وطرائق وأساليب زعيم عصابة من عصابات الإجرام؛ وكأنَّ "القذَّافية" هي طريقة الحكم التي يتَّبعها نظام الحكم الاستبدادي العربي عشية سقوطه المحتوم؛ وإنَّها لنهاية مُرْعِبة؛ لكن لا رعب بلا نهاية.

جواد البشيتي

الاثنين، 14 مارس، 2011

السعودية: سياسة التهديد والوعيد د. مضاوي الرشيد

السعودية: سياسة التهديد والوعيد د. مضاوي الرشيد
2011-03-13

يعتبر الخطاب السياسي مرآة للفكر والتوجه والممارسة التي يتبناها النظام السعودي منذ عقود من الزمن.
في تصريح صحافي لوزير الخارجية سعود الفيصل عن الاضطرابات المحتملة في السعودية نتيجة التغييرات السياسية والحالة الثورية التي تعم ارجاء الوطن العربي هدد الامير وتوعد بقطع الاصابع وخاصة اولئك المتهمين بالتلاعب بأمن البلاد من الخارج. وقبل ذلك بفترة قصيرة هدد عالم من علماء السعودية وتوعد وطالب بتهشيم جماجم كل من تسول له نفسه بالتظاهر السلمي للمطالبة بحقوق سياسية لا يعتبرها العلامة سعد البريك حقوقا مشروعة.
لا بد لنا من وقفة تأمل في هذا الخطاب الذي اصبح معتادا في المجال السياسي السعودي والذي تدعمه الممارسات السياسية والمواجهات بين المتظاهرين ورجال الامن الذين يأتمرون بخطاب العنف الدموي. وان لم نتفاجأ بمنظومة تهشيم الجماجم المعهودة والمتوقعة من رموز التيار الديني الرسمي السعودي الا ان قطع الاصابع تعتبر بادرة ان دلت على شيء فهي تدل على حالة ذعر وتخبط قد ضربت رمزا من رموز الدبلوماسية الخارجية السعودية وحالة انحطاط واضحة وصريحة. يعتبر وزير الخارجية السعودي ربما مثالا للياقة والادب والاتزان اذا ما قارناه بالبقية المتبقية من اعلام النظام فرغم اختلافنا الجذري والجوهري مع النظام الذي يمثله وزير الخارجية الا انه يجب ان نعترف من باب الموضوعية انه ربما كان ليمارس السياسة بطريقة مختلفة تماما ان كان غير مرتبط بهذه التركيبة السياسية القديمة حيث ان تربيته وثقافته ربما اختلفتا بشكل جوهري عن بقية الاسرة وربما كان ليبرز بشكل مختلف تماما لكن الوزير سقط في مستنقع البيئة السياسية والممارسات الشاذة التي تربط بنظام الحكم السعودي. وهنا لا نبرر خطابه السياسي الدموي وما يستحضره من صور الاصابع المتهاوية التي تسبح في بحيرات دامية ولكننا نسلط الضوء على انعدام فرصة خروج خطاب مختلف تماما عما هو معهود من رحم هذه الاسرة مهما توفرت لها معطيات ثقافية وانفتاح على العالم او نشأة منزلية تختلف عن مبدأ السيف وتبعاته.
لقد انهارت فرص الامل عندما نستمع الى خطابات الاصابع المبتورة التي تختم دعوات وهمية للحوار خاصة بعد ان افرغ النظام السعودي الساحة السياسية من مفهوم الحوار وزج بالمصلحين والناشطين في السجون وان اخرج بعضهم فيجبرهم على التوقيع على تعهدات تلجمهم وتخرسهم تحت سوط الرقيب. يوما بعد يوم تبدو القيادة السعودية بشقيها المزعومين الرجعي والتقدمي كمنظومة منتهية الصلاحية ليس لها من شرعية الى شرعية الاجهزة البوليسية والامنية والاستخباراتية هذا بالاضافة الى خطاب تهشيم الجماجم المعهود. فلا مشاريع تربوية ولا حوارات وطنية ولا امبراطورية اعلامية ولا تنمية وهمية استطاعت ان تمتص الغضب والتململ من نظام اصبح عبئا على المجتمع في الجزيرة العربية. اثقل كاهله واخرجه من مسيرة التاريخ وزج به في دوامة وازدواجية رهيبة فصمت شخصيته الى شطرين وشتتت جهوده في اتجاهات مختلفة وبذرت ثروته الى الابد وقمعت طموحه وقتلت فيه روح المواجهة ولكنه اليوم بدأ هذا المجتمع باعادة صياغة شخصيته ولم شمله الفكري وتكثيف جهده ليخرج من دوامة الفرقة والتشرذم تحت شعارات مختلفة ومتباينة لكن لها وحدة واحدة وهي الاتفاق على التغيير السياسي الآن وليس غدا. وباستمرار خطاب العنف وقطع الاعضاء وتهشيم الجماجم تجد الجزيرة العربية بكافة اطيافها الاجتماعية والسياسية والفكرية نفسها في خطر كبير ومنزلق رهيب نصبه لها النظام السعودي. ان استمر هذا النظام في قمع المظاهرات السلمية واستعمال الذخيرة الحية فهو قد اعلن انه يتبع سياسة الارض المحروقة بعد زواله وخلال المواجهة معه.
عنف النظام سيؤدي اولا الى بداية مشروع تقسيم السعودية الى كانتونات طائفية وقبلية ومناطقية تتناحر وتتقاتل وتدار معاركها من غرفة عمليات سعودية خاصة ونرجو من جهاز الامن وعناصره ان لا يكونوا جند التقسيم عندما يطلقون النار على المتظاهرين والمعتصمين بشكل سلمي صرف. لتصرخ نساؤنا في وجوههم 'وطني لا تقسموه' وليسمع هؤلاء الخطاب الآخر الذي ينادي بالوحدة الوطنية والدينية في مواجهة اكثر الانظمة تعسفا ودموية تختبئ تحت قفازات حريرية.
ثانيا: العنف السعودي سيؤدي الى فتح الباب على مصراعيه امام تدخل خارجي شئنا ام ابينا اما بشكل حظر جوي او مصادرة او تأمين المرافق النفطية فالسعودية حسب المصادر الغربية هي بنك العالم النفطي الذي يضخ النفط حسب الطلب وبسرعة فائقة لتعويض السوق عن اي تناقص في الموارد النفطية. فما هو موقف النظام عندما تمارس عليه عمليات الحظر الجوي فوق المنطقة الشرقية او فوق مكة والمدينة ان استفاق اهلها ونقضوا عنهم حاجز الخوف والتريث. وما هو موقف العالم الاسلامي عندما يعم الارهاب السعودي مناطق مقدسة؟ لهذا يجب على نظام القمع ان يفكر اكثر من مرة عندما يطلق العنان لغرائزه الدموية ويتصدى لشباب مسالم يطالب بأبسط الحقوق المدنية والسياسية ويكف عن لغة البتر والقطع والتهشيم.
نحن لم نعد نقبل كشعب مثل هذا الخطاب ناهيك عن الممارسات الشاذة التي تدينها الشرائع السماوية والمواثيق العالمية والتي تهدف الى اختلاس الارادة الانسانية وقدرتها على مقاومة الظلم والاستئثار بالسلطة والموارد الاقتصادية. ثالثا العنف السعودي والمتمثل بحشد قوات الامن امام متظاهرين مسالمين لارهابهم سيسلط على النظام من هم حتى هذه اللحظة من مؤيديه والمدافعين عنه والتي لم تتجاوز مطالبهم حتى هذه اللحظة المطالب الممكن الاستجابة لها. لقد انفض عن النظام اكثر المؤيدين له والمعترفين بشرعيته خلال السنوات الماضية لذلك عنفه الحالي سيجعله يقف وحيدا ليس له سوى مدرعات ربما لا تستجيب لنداء استغاثته في حالة استمرار المواجهات بين الامن والمتظاهرين. ان كان التاريخ يعلمنا دروسا فهناك درس واحد نستحضره اليوم. لقد اعتمد النظام السعودي في عملية تأسيس جذوره على العنف منذ اليوم الاول وجاءت نهايته على يد قوة اجنبية في بداية القرن التاسع عشر ولكنه لم يستطع العودة الى حكمه الا بمساعدة خارجية بريطانية لانعدام الشرعية والتي على اساسها تبنى الدول والاوطان ولكن نحن اليوم بصدد صفحة جديدة في منظومة النظام السعودي والتي تتميز عن السوابق التاريخية حيث ان التهديد الحقيقي قد انطلق من داخل الجزيرة العربية ومن قبل شرائح متباينة ومتجانسة في نفس الوقت جمعتها الرغبة في التغيير الجذري السياسي وقد تجلى ذلك بوضوح وصراحة عندما تقاربت الرؤية والتحمت المطالب تحت لواء مشروع وطني اصلاحي ينقل البلاد من حالة الفوضى والفساد الى مرحلة جديدة تتطور فيها الانظمة والممارسة لتصبح اكثر قربا من هموم المجتمع وتطلعاته وتفتح باب الحوار الحقيقي في الساحة السياسية العامة حتى لا تلجأ اطياف المجتمع الى الخارج من اجل التعبير عن طموحاتها.
اتضح جليا خلال الازمة السعودية الحالية ان الاصوات المعارضة والمنتقدة اتجهت ليس الى الاعلام العربي المرهون بالحقبة التسلطية السعودية والذي لا يزال سجينا للارادة القمعية بل الى الاعلام الخارجي فأصبح ابناء الجزيرة العربية مشدودين امام شاشات التلفزة التابعة لدول اخرى من اهمها الاعلام الايراني الناطق بالعربية كقناة العالم والاعلام الفلسطيني في المهجر كقناة الحوار او القنوات الغربية الموجهة للعالم العربي كقناة البي بي سي والحرة وغيرهما من اعلام فرنسي وروسي وصيني. وان كانت هناك دلالة على مثل هذا التوجه فهي تظهر مدى التعتيم والتضليل الذي يمارسه الاعلام السعودي على عملية التغير السياسي في الجزيرة العربية فنلاحظ ان ازلام النظام نفسه مشدودون للاعلام الخارجي طيلة اليوم يراقبون ويتعلمون كيف تكون المواجهة بين الاصوات الحرة والانظمة القمعية. العنف السعودي بشقيه السياسي الذي يوعد المجتمع بقطع الاصابع والآخر الديني الذي يبشر بتهشيم الجماجم وجهان لعملة واحدة فقدت قيمتها في سوق الانظمة وان كان الشعب قد اعتاد على الشق الديني والسياسي الا انه اثبت قدرته على التصدي والمقاومة في وجه اكبر آلة عسكرية مهمتها الاولى والاخيرة مواجهة الشعب وليس العدوان الخارجي، ان فشل المقاومة السلمية في التغيير السياسي سيطلق العنان لتكهنات خطيرة يكون النظام السعودي اول ضحيتها لذلك يجب ان يقف النظام وقفة تأمل وتفكير قبل ان تنطلق الشرارة التي ستجر الجزيرة العربية الى دوامة عنف وتدخل خارجي وتقسيم مخيف وسيكون هذا النظام وليس الاصوات المنادية بالاصلاح من يحرك دوامة العنف ويجر البلاد الى مستقبل غامض وخطير. لن يحل عنف وزير الخارجية او دموية الخطاب الديني معضلة الاصلاح والتغيير الحقيقي.

' كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية

بيان حزب الأمة الإسلامي بخصوص ثلثاء العزيمة

بيان حزب الأمة الإسلامي بخصوص ثلثاء العزيمة

http://www.youtube.com/watch?v=Ulg73ZsePpc

هنيئا للشعب السعودي بحكامه بقلم عبد الباري عطوان

هنيئا للشعب السعودي بحكامه بقلم عبد الباري عطوان
2011-03-13

نتابع الشأن السعودي، وتطورات الاوضاع على ارض الحرمين لسببين رئيسيين، الاول: الدور المحوري الذي تلعبه المملكة العربية السعودية على الصعيدين العربي والعالمي، والثاني: تجنب معظم وسائل الاعلام العربية الخوض في هذا الشأن خوفا ورهبة او حفاظا على مصلحة ما.
ومن المفارقة ان هناك انطباعا راسخا في الغرب مفاده ان الانظمة الملكية العربية 'محصنة' في وجه الثورات والانتفاضات الشعبية التي تجتاح المنطقة العربية حاليا، ونجحت حتى الان في اسقاط نظامي حكم في كل من تونس ومصر، وهذه الحصانة راجعة، حسب رأي هؤلاء الى صلابة قاعدة الحكم في هذه الملكيات، والتفاف غالبية الشعب حولها.
صحيح ان هذه الحصانة لم تختبر بشكل قوي في المملكة العربية السعودية حتى هذه اللحظة، وان حراك القاع فيها ما زال بطيئا جدا ومحدود التأثير، ولكن الصحيح ايضا ان نظاما عربيا حديث الانضمام الى نادي الملكيات (البحرين) يواجه حاليا ثورة شعبية متأججة بدأت تخرج تدريجيا عن طابعها الاحتجاجي السلمي، نظرا لعدم التجاوب مع مطالبها في الاصلاح السياسي.
الاوضاع في مملكة البحرين افضل كثيرا منها في جارتها السعودية، ففي الاولى برلمان منتخب، وتعددية سياسية تتمثل في تكتلات واحزاب وجمعيات مختلفة التوجهات والمشارب، وتتمتع المرأة بالكثير من الحقوق الاجتماعية والسياسية وتنعكس كل هذه الجوانب في صحافة تتمتع بسقف معقول من الحريات التعبيرية، ومع ذلك انفجرت الاحتجاجات الشعبية منذ اكثر من شهر ولم تتوقف حتى الآن، تطالب بدستور جديد، واطاحة حكومة يرأسها رئيس وزراء منذ اربعين عاما، ولا يتمثل فيها الشعب الا في وزارات ثانوية هامشية، وتحقيق العدالة في الوظائف، ووقف التجنيس السياسي.
في المملكة 'الام' اي العربية السعودية، لا يوجد اساسا سقف للحريات حتى يرتفع او ينخفض، والفساد ضرب معدلات قياسية، حتى ان الحكومة السعودية تدخلت بالامس لدى الحكومة البريطانية لمنع نشر نتائج تحقيقات اجريت بشأن صفقة اسلحة اليمامة قبل ثلاثين عاما وبلغت فيها نسبة العمولات اكثر من ثلاثين في المئة ذهبت الى جيوب امراء كبار.
الشعب السعودي الذي يعاني من البطالة (عشرون في المئة، وضعفها في اوساط الشباب)، وانهيار الخدمات الاساسية، ولا يعرف الانتخابات او اي نوع من البرلمانات المنتخبة، ممنوع عليه الاحتجاج بفتوى رسمية صادرة عن هيئة كبار العلماء برئاسة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ الذي هو مفتي البلاد ايضا، لان المظاهرات خروج عن الشرع، ومعصية لاولي الامر.
' ' '
بالامس خرج الامير نايف بن عبد العزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء، ووزير الداخلية لاكثر من خمسة وثلاثين عاما ايضا، على شاشات التلفزة السعودية مهنئا العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز وولي عهده الامير سلطان بن عبدالعزيز 'بهذا الشعب السعودي الكريم.. الشعب الوطني.. هذا الشعب الذي رفض التجاوب مع دعاوى الاشرار التي تريد ان تحول المملكة الى مكان للفوضى والمسيرات الخالية من الاهداف السامية'.
كرم هذا الشعب السعودي ووفاؤه عائدان الى 'رفضه' مطالبات على 'الفيس بوك' حثته على تنظيم مسيرات احتجاجية يوم الجمعة الماضي حيث اكدت وسائل الاعلام الرسمية وشبه الرسمية الهدوء التام في شوارع المدن الرئيسية وميادينها، ولكنها لم تقل ان الحكومة دفعت بعشرات الآلاف من رجال الامن لمنع مثل هذه المظاهرات بالقوة اذا تطلب الامر، مثلما حدث في مدن القطيف والهفوف الشيعية التي تحدت امر الحظر ونزل مواطنوها الى الشوارع.
وكالات الانباء الغربية وزعت تقارير اخبارية يوم امس بتظاهر حوالي مئتي شخص امام مبنى وزارة الداخلية للمطالبة بالافراج عن المعتقلين واحتجاجا على السياسات القمعية، والمطالبة باصلاحات، الامر الذي يطرح العديد من علامات الاستفهام حول مصداقية رواية الصحافة الرسمية التي قالت ان متظاهرا واحدا تظاهر في العاصمة السعودية يوم الجمعة.
نريد ان نوجه سؤالا الى الامير نايف: اذا كان الشعب السعودي على هذه الدرجة من الكرم والوفاء، وملتفا فعلا حول الاسرة الحاكمة، الا يستحق هذا الشعب ان يتلقى تقديرا خاصا، او مكافأة لسلوكه هذا في احباط 'مؤامرات' الاشرار في نشر 'الفوضى' في البلاد، وتنظيم مسيرات خالية من الاهداف السامية؟
القيادة السعودية لا تستطيع ان تنكر عدم معرفتها بمطالب الشعب السعودي، فقد تقدمت نخبهم الليبرالية والدينية بعرائض عدة تضمنت مطالبها كاملة، ابتداء من انتخاب مجلس شورى بصلاحيات رقابية وتشريعية كاملة، ومرورا بالتوزيع العادل للثروة، وانتهاء بمحاربة الفساد وتحويل البلاد الى ملكية دستورية.
هيئة كبار العلماء التي انحازت الى الحاكم، ووظفت فتاواها لمصلحته، وبناء على طلبه، بتحريم التظاهر، لم تنتقد مطلقا، اقدام السلطات على اعتقال كل الذين وقفوا خلف هذه العرائض، وابقتهم خلف القضبان لسنوات دون محاكمات عادلة، وعندما جرى الافراج عنهم وتم وضعهم على اللوائح السوداء ومنعوا من السفر، وما زالوا حتى هذه اللحظة، ومن بين هؤلاء محمد سعيد طيب ومتروك الفالح، وعلي الدميني، وعبدالله الحامد، والشيخ سعيد بن زعير والقائمة تطول.
المسؤولون السعوديون يقولون في مجالسهم الخاصة انهم لن يتجاوبوا مطلقا، ولن يقدموا على اصلاحات سياسية تحت ضغط الاحتجاجات، او التهديد بها، وهذه المكابرة نعتقد انها ستؤدي لاحتجاجات اكبر في المستقبل، فلا يعيب الحاكم ان يتنازل لمطالب شعبه المشروعة وبالسرعة المطلوبة، خاصة انه يفعل ذلك لمصلحته بالاساس قبل ان يكون لمصلحة مواطنيه. فالسلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان حل مجلس الوزراء، وطرد اثنين من اقرب مستشاريه في ذروة اشتعال شرارة الاحتجاجات في مختلف ارجاء السلطنة.
' ' '
تخطئ القيادة السعودية اذا اعتقدت انها محصنة من الاحتجاجات، وانها تستطيع ان تشتري صمت الشعب السعودي على الكثير من التجاوزات والازمات الداخلية بتخصيص 37 مليار دولار تعتبر نقطة في بحر، لان ما يطالب به السعوديون هو ما طالب ويطالب به المصريون والتونسيون واليمنيون والبحرانيون، اي الكرامة، ووقف كل اشكال اذلال المواطن، وحرمانه من حقوقه.
الخبراء الامريكان قالوا ان حكم الرئيس حسني مبارك مستقر، واكد نظراؤهم الفرنسيون ان حكم الرئيس التونسي لا يواجه اي اخطار، الآن يكررون الشيء نفسه بالنسبة الى المملكة العربية السعودية.
استقرار المملكة مرهون بالاصلاحات السياسية وبأسرع وقت ممكن، وعليهم ان يتذكروا ان الانتفاضتين في مدينة سيدي بوزيد التونسية وميدان التحرير في القاهرة بدأتا بالعشرات وتطورتا الى مشاركة الملايين.
الشعوب العربية تحررت من عقدة الخوف وثقافته، واصبحت قوات الامن هي التي تخاف المواطن، وليس المواطن الذي يخشى قوات الامن مثلما كان عليه الحال في السابق، وما كان مقبولا قبل ثلاثين او اربعين عاما لم يعد مقبولا الآن. فالصحوة عدوى حميدة، وطالما وصلت الى مصر فانها ستصل حتما الى عواصم عربية اخرى اعتقدت خطأ انها في مأمن.
السد الوحيد الذي يمكن ان يقف في وجه الثورات هو الاصلاح السياسي الحقيقي، اما الفتاوى بتحريم المظاهرات، او اعتقال المدونين، او حتى منع الفيس بوك والتغول في حجب مواقع الانترنت، فقد تعطي نتائج عكسية تماما، ولم تزدد الثورتان التونسية والمصرية اشتعالا وتدخلان مرحلة المليونية الا بعد اقدام الحكومتين في البلدين على اتخاذ هذه الاجراءات.
هل تستوعب السلطات السعودية هذا الدرس؟ لا نعتقد بذلك، فلا توجد اي مؤشرات توحي بعكس ذلك مطلقا.